بقلم: مصطفى محمد القرشي
كلما تصاعدت المواجهات العسكرية في اليمن، أو امتدت تداعياتها إلى دول الجوار، تجددت الدعوات إلى وقف الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات، وهي دعوات تنطلق في كثير من الأحيان من حرص إنساني صادق على حقن الدماء وإنهاء معاناة شعب أنهكته سنوات طويلة من الصراع.
غير أن الدعوة إلى السلام، على نبل مقصدها، لا تكفي وحدها لفهم تعقيدات المشهد اليمني؛ فهناك دولة أضعفت الحرب مؤسساتها، وجماعة مسلحة تمتلك قدرات عسكرية متنامية، وتدخلات خارجية أسهمت في إطالة أمد الأزمة، ودول مجاورة تواجه تهديدات لأمنها وسيادتها.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن الوصول إلى سلام يحمي اليمنيين وينهي الحرب، دون أن يتحول وقف إطلاق النار إلى فرصة لإعادة التسلح، أو تصبح التسوية السياسية غطاءً لاستمرار النفوذ الخارجي وتهديد أمن المنطقة؟
إن الإجابة تستلزم قراءة متوازنة لمسارات التفاوض السابقة، والدور الإيراني، ومسؤولية الأطراف اليمنية، وحق السعودية في حماية أمنها، فضلًا عن المصالح الإقليمية والدولية المتقاطعة مع الأزمة.
السعودية جرّبت طريق السلام.. والتاريخ يوثّق
لم تكن الدبلوماسية خيارًا غائبًا عن السياسة السعودية تجاه اليمن؛ فقد شهدت السنوات الماضية مبادرات سياسية وإنسانية واتصالات مباشرة سعت إلى تهيئة الظروف لتسوية شاملة.
ففي مارس 2021، أعلنت السعودية مبادرة لإنهاء الأزمة اليمنية، تضمنت وقفًا شاملًا لإطلاق النار تحت إشراف الأمم المتحدة، وترتيبات لتيسير حركة الطيران والموانئ، واستئناف المشاورات السياسية.
وفي أبريل 2022، دخلت هدنة برعاية الأمم المتحدة حيّز التنفيذ، وأسهمت في خفض مستوى المواجهات وتخفيف بعض آثار الأزمة الإنسانية، قبل انتهاء سريانها الرسمي في أكتوبر من العام نفسه.
ثم شهد أبريل 2023 زيارة وفد سعودي برئاسة السفير محمد بن سعيد آل جابر إلى صنعاء، أعقبتها استضافة الرياض وفدًا حوثيًا في سبتمبر لاستكمال النقاشات.
وفي ديسمبر 2023، أعلن المبعوث الأممي هانس غروندبرغ التوصل إلى التزامات تمهيدية بشأن وقف إطلاق النار وتحسين الظروف المعيشية والتحضير لعملية سياسية يمنية شاملة.
وتؤكد هذه المحطات أن السعودية لم تغلق باب التفاوض، وأن السلام ظل حاضرًا في مساراتها الدبلوماسية. غير أن الوصول إلى تفاهمات أولية لا يعني بالضرورة القدرة على تنفيذها، خصوصًا مع استمرار الانقسامات ومصادر التهديد وتضارب المصالح.
وعليه، فإن السؤال لم يعد متعلقًا بغياب الحوار، وإنما بما يجعل نتائجه قابلة للاستمرار.
إيران في المعادلة اليمنية.. حين يتحول الدعم العسكري إلى عقبة أمام السلام
لا تكتمل قراءة الأزمة اليمنية دون التوقف عند الدور الإيراني في دعم جماعة الحوثي عسكريًا وتقنيًا.
فهذا الدور لم يعد مجرد اتهام سياسي متبادل؛ إذ تناولته تقارير أممية ودراسات متخصصة، أشارت إلى إسهام الدعم الخارجي في تطوير قدرات الحوثيين في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والمنظومات العسكرية المتقدمة.
كما وثقت تقارير دولية شبكات لتوريد الأسلحة والمكونات العسكرية والمواد ذات الاستخدام المزدوج، إلى جانب أدلة على استخدام الحوثيين منظومات إيرانية المنشأ.
وتكتسب هذه المعطيات أهميتها بالنظر إلى اتساع نطاق التهديدات؛ فلم تعد المواجهات محصورة داخل الأراضي اليمنية، بل امتدت تداعياتها إلى أمن دول الجوار والمنشآت المدنية والاقتصادية وحركة الملاحة في البحر الأحمر.
وهنا تظهر مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها؛ فإيران تعلن تأييدها للحلول السياسية، بينما تشير الأدلة المتاحة إلى إسهام دعمها العسكري في تعزيز قدرات جماعة مسلحة تستخدم القوة لفرض مطالبها.
فكيف يمكن بناء الثقة في تسوية سياسية مستدامة، بينما تبقى شبكات الإمداد العسكري قادرة على تقويض الالتزامات وإعادة إنتاج المواجهة؟
ولا يعني ذلك أن كل قرار عسكري حوثي يصدر مباشرة من طهران، أو أن أسباب الأزمة اليمنية خارجية بالكامل؛ فالانقسامات الداخلية وتضارب مصالح القوى المحلية أسهما أيضًا في إطالة الصراع.
لكن هذا لا ينفي أن الدور الإيراني يمثل عاملًا مؤثرًا في موازين القوة، ولا يجوز تجاهله عند مناقشة أسباب تعثر السلام.
من يربح من الفوضى العربية.. ومفارقة المصالح الإسرائيلية
ثمة مفارقة استراتيجية أخرى تستحق التأمل.
فإيران تقدم نفوذها الإقليمي تحت شعارات مواجهة إسرائيل والدفاع عن قضايا المنطقة، غير أن السياسات لا تُقاس بالشعارات وحدها، وإنما بنتائجها السياسية والأمنية والاقتصادية.
فعندما تُستنزف دولة عربية في حرب طويلة، وتضعف مؤسساتها، ويتراجع اقتصادها، وتتحول أراضيها إلى ساحة للصراعات الإقليمية، فإن الخسارة لا تقتصر عليها، بل تمتد إلى الأمن العربي الجماعي.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: من المستفيد من انشغال الدول العربية بصراعات تستنزف مواردها وتبدد فرص التنمية وتضعف قدرتها على بناء مواقف إقليمية مستقلة؟
من منظور استراتيجي، قد تؤدي إطالة الصراعات العربية وتفتيت قدرات الدول إلى توفير فرص تستفيد منها إسرائيل في تعزيز موقعها النسبي في المنطقة، حتى عندما تكون القوى التي أسهمت في تلك الأوضاع تعلن عداءها لها.
غير أن تقاطع النتائج والمصالح لا يثبت وجود تنسيق أو تحالف؛ فالصراع بين إيران وإسرائيل حقيقة قائمة، ولا يصح الاستنتاج من آثار الفوضى وحدها أن طهران تنفذ أجندة إسرائيلية باتفاق مباشر.
والأدق أن بعض نتائج السياسات الإيرانية، حين تسهم في إضعاف الدول العربية واستنزاف قدراتها، قد تتقاطع موضوعيًا مع مصالح إسرائيل الاستراتيجية، رغم التناقض بين المشروعين.
وهذه المفارقة تفرض سؤالًا على كل مشروع إقليمي يرفع شعارات نصرة القضايا العربية: هل أسهمت سياساته في بناء دول أكثر أمنًا واستقلالًا، أم في زيادة الانقسام واستنزاف الموارد؟
فالقضية الفلسطينية لا يخدمها إضعاف اليمن أو تهديد السعودية أو تعطيل الملاحة الدولية، بل يخدمها وجود دول مستقرة قادرة على حماية مصالحها وتوظيف قوتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية في دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
اليمن ليس ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية
من أخطر تداعيات الأزمة اليمنية تحول أجزاء من البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية.
فحين تتداخل الانقسامات الداخلية مع شبكات التسليح والنفوذ الخارجي، يصبح القرار الوطني أكثر تعقيدًا، وتغدو فرص التسوية مرتبطة بعوامل تتجاوز توافق اليمنيين أنفسهم.
ولهذا فإن استعادة القرار الوطني وبناء مؤسسات دولة قادرة على ممارسة صلاحياتها ينبغي أن يظلا في صميم أي تسوية سياسية شاملة.
فاليمن ليس ورقة تفاوضية في يد طهران، ولا ينبغي أن يكون منصة لتهديد السعودية أو الملاحة الدولية، أو ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى المتصارعة.
ومستقبل اليمن ينبغي أن يقرره اليمنيون، عبر عملية سياسية تحفظ سيادة بلادهم وتضمن حقوق مكوناتها المختلفة، وتؤسس لدولة تحتكم إلى القانون بدلًا من موازين القوة المسلحة.
اليمن دولة ذات سيادة.. والسعودية لها حق حماية أمنها
من أكثر جوانب النقاش التباسًا الخلط بين الصراع اليمني الداخلي، والدور العسكري والسياسي للتحالف الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وحق السعودية في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها.
فالأزمة اليمنية تفاقمت بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، وما أعقبها من توسع عسكري وانقسام سياسي ومؤسسي.
وفي مارس 2015، بدأ التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية استجابة لطلب الرئيس اليمني آنذاك عبدربه منصور هادي يرحمه الله، بهدف إسناد الحكومة اليمنية.
ولا يلغي ذلك ضرورة تقييم أعمال جميع أطراف النزاع وفق القانون الدولي الإنساني، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات بحق المدنيين دون استثناء.
وفي المقابل، فإن حق السعودية في حماية حدودها ومنشآتها وسكانها من الاعتداءات المسلحة حق تنظمه قواعد القانون الدولي، بما فيها شروط الضرورة والتناسب.
وليس من الدقة تصوير كل مواجهة داخل اليمن باعتبارها حربًا سعودية على اليمن، أو التعامل مع كل إجراء دفاعي سعودي بوصفه إعلانًا تلقائيًا عن حرب جديدة.
كما أن تمسك السعودية بأمنها الوطني لا يتعارض مع دعم الحلول السياسية التي تحترم سيادة اليمن وتمنع استخدام أراضيه مصدرًا لتهديد جيرانه.
فالحوار وضبط النفس والاستعداد الدفاعي ليست بالضرورة خيارات متناقضة؛ إذ يمكن أن تتكامل عندما يكون الهدف حماية الأرواح والسيادة وتهيئة الظروف لاستقرار مستدام.
الشعب اليمني.. الضحية الأكبر للصراع والتدخلات
وسط الحسابات السياسية والعسكرية والإقليمية، تبقى المأساة الإنسانية هي القضية الأكثر إلحاحًا.
فقد دفع الشعب اليمني ثمنًا باهظًا من الأرواح والنزوح والفقر وتدهور الخدمات الأساسية، فيما تراجعت فرص التعليم والعمل والتنمية مع استمرار الانقسام.
ولا يجوز أن تتحول هذه المعاناة إلى مجرد ورقة في سجال سياسي حول المسؤوليات.
فحماية المدنيين واحترام حقوقهم مسؤولية جميع أطراف النزاع، وينبغي أن تشمل المساءلة الانتهاكات أيًا كان مرتكبوها، بما فيها الاعتقالات التعسفية وتجنيد الأطفال وعرقلة المساعدات والاعتداءات على الأعيان المدنية.
إن اليمن يحتاج إلى مدارس ومستشفيات ومؤسسات دولة وفرص عمل، لا إلى مزيد من القذائف والجبايات واقتصاد الحرب.
ويحتاج اليمنيون إلى سلام يعيد بناء حياتهم، ويحفظ كرامتهم، ويتيح لهم المشاركة في تقرير مستقبل بلادهم دون تهديد أو إكراه.
لماذا لا تكفي الهدنة وحدها؟
إن وقف إطلاق النار ضرورة إنسانية عاجلة، وقد يكون المدخل الأهم لخفض المعاناة وتهيئة ظروف التفاوض، لكنه لا يمثل بمفرده نهاية للصراع.
فقد تتوقف المواجهات بينما تستمر أسبابها، وقد تنخفض وتيرة العمليات العسكرية دون أن تتحسن أحوال السكان، كما قد تُعلن تفاهمات سياسية دون وجود ضمانات كافية لتنفيذها.
ولهذا فإن السلام المستدام يحتاج إلى معالجة جذور الأزمة، والحد من التدخلات الخارجية والتسلح غير المشروع، وبناء الثقة بين الأطراف، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة وحقوق المواطنين.
كما أن أمن السعودية ودول الجوار، وحماية الملاحة الدولية، واستقلال القرار اليمني، قضايا مترابطة لا يمكن فصلها عن استقرار اليمن.
ولا يعني التشديد على الضمانات تأجيل حماية المدنيين أو تعطيل المساعي الإنسانية؛ فوقف العنف وتخفيف المعاناة ينبغي أن يظلا أولوية عاجلة، بصرف النظر عن المدة التي قد تستغرقها التسوية النهائية.
فالغاية ليست الوصول إلى هدنة تؤجل الحرب، بل إلى سلام يعالج أسبابها ويحد من احتمالات عودتها.
بين الحكمة السياسية وضرورات الأمن
في أوقات التصعيد، تتعدد الدعوات بين الحسم العسكري السريع والعودة الفورية إلى المفاوضات.
لكن استعجال الحرب قد يزيد الخسائر، كما أن استعجال اتفاق بلا ضمانات قد يؤجل الصراع بدل إنهائه.
والحكمة السياسية لا تتمثل في رفض التفاوض أو القبول بكل شروطه، وإنما في تهيئة الظروف لتسوية تراعي حقوق اليمنيين ومصالحهم، وتحمي أمن الدول المجاورة، وتمنع استخدام اليمن في الصراعات الإقليمية.
ولا ينبغي تفسير ضبط النفس بوصفه عجزًا، أو الحوار بوصفه تنازلًا، أو المطالبة بالضمانات بوصفها معارضة للسلام.
فالسياسة الرشيدة لا تُقاس بحدة الخطاب أو سرعة القرار، بل بقدرتها على حماية الإنسان وتقليل المخاطر وتحقيق استقرار قابل للاستمرار.
كلمة أخيرة.. السلام مسؤولية لا شعار
إن الدعوة إلى حقن دماء اليمنيين مسؤولية إنسانية وسياسية وأخلاقية تستلزم البحث الجاد عن مخرج من مأساة امتدت سنوات طويلة.
لكن هذه المسؤولية تقتضي أيضًا عدم تجاهل الأسباب التي أطالت أمد الصراع، وفي مقدمتها الانقسامات الداخلية، والتسلح غير المشروع، والتدخلات الخارجية.
لقد شهد اليمن مبادرات تفاوضية وهدنًا واتصالات مباشرة، لكن الطريق إلى السلام المستدام ما زال يتطلب إرادة سياسية حقيقية وضمانات تمنع تجدد الاعتداءات.
ولا يمكن فصل الدور الإيراني في دعم القدرات العسكرية للحوثيين عن النقاش بشأن هذه الضمانات، مثلما لا يجوز إغفال مسؤولية الأطراف اليمنية أو التقليل من أهمية الحقوق الإنسانية والسياسية والاقتصادية للشعب اليمني.
وإذا كانت بعض القوى الإقليمية ترى في توسيع نفوذها عبر الجماعات المسلحة مصدرًا للقوة، فإن الكلفة الحقيقية تتحملها الشعوب، بينما قد تفضي نتائج الفوضى إلى إضعاف المنطقة العربية وتوفير فرص استراتيجية لخصومها.
إن السلام الحقيقي ليس صورة مصافحة، ولا بيانًا دبلوماسيًا، ولا توقفًا مؤقتًا للبنادق؛ بل اتفاق تُصان به الأرواح، وتُحترم فيه السيادة، وتُنفّذ التزاماته، وتُعالج معه الأسباب التي تعيد إنتاج الحرب.
فاليمن يستحق دولة آمنة مستقرة، والسعودية تستحق أمنًا يحمي حدودها وسكانها، والمنطقة تستحق مستقبلًا لا ترتهن فيه شعوبها لأجندات الصراع والنفوذ.
ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: متى يصمت السلاح؟ بل: كيف نصنع سلامًا يضمن ألا يعود السلاح إلى الكلام؟
حفظ الله السعودية واليمن ومصر وسائر بلادنا وشعوبنا، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وجنّب المنطقة مزيدًا من الدماء والدمار.