د. نزار گزالي
مدير مركز الاستشارات النفسية والاجتماعية في EPU
يصادف العاشر من تشرين الاول من كل عام اليوم العالمي للصحة النفسية، وهو مناسبة تتيح لمنظمة الصحة العالمية تسليط الضوء على اهمية الصحة النفسية، ورفع الوعي بها، والدعوة إلى تطوير خدمات الدعم والرعاية النفسية. وتحمل حملة هذا العام شعار “لننصت الى اصوات من يعيشون التجربة، من اجل تغيير في صميم الواقع”، تاكيدا لاهمية الاستماع لى تجارب الاشخاص أنفسهم عند وضع السياسات وتطوير الخدمات النفسية.
في هذا اليوم، لا يكفي ان نتحدث عن القلق والاكتئاب والضغوط النفسية وكانها مشكلات منفصلة عن الواقع الذي نعيشه. فالصحة النفسية تتاثر بصورة مباشرة بالامن والاستقرار الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية والشعور بالمستقبل. وعندما تتوالى الازمات من دون ان يحصل الانسان على فرصة حقيقية لاستعادة شعوره بالامان، لا يبقى الضغط النفسي حالة موقتة، بل قد يتحول إلى نمط حياة. وهذا ما يجعل المشهد النفسي في العراق واقليم كوردستان هذا العام اكثر تعقيدا من العام الماضي.
خلال شهري اذار ونيسان، عاش سكان إقليم كوردستان على وقع الحرب الاقليمية، مع مئات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت مناطق مختلفة من الاقليم، واوقعت قتلى وجرحى بين المدنيين. ووفقا لبيانات حكومة الاقليم، سجلت 809 هجمات بين 28 شباط و20 نيسان 2026، بينها 477 هجوما في اربيل العاصمة.
من الناحية النفسية، لا تنتهي اثار الحرب بانتهاء صوت الانفجار. فالانسان الذي عاش الخوف المباشر قد يستمر في مراقبة السماء والاخبار واصوات الطائرات، مترقبا ما قد يحدث خلال الدقائق المقبلة. وقد تظهر اثار هذه التجربة في صورة اضطرابات في النوم، وتوتر، وسرعة انفعال، وخوف مفرط، أكاو شعور دائم بان الخطر قريب. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن حالات الطوارئ قد تسبب مستويات مرتفعة من الضيق النفسي، وان الحروب والفقر وفقدان الامان والموارد تزيد من مخاطر الاضطرابات النفسية.
لكن المواطن في اقليم كوردستان لم ينتقل من ازمة امنية إلى مرحلة من الاستقرار، بل انتقل من ضغط الى ضغط اخر.
فملف رواتب الموظفين في الاقليم ما يزال يحمل اثارا نفسية واضحة. فالراتب بالنسبة إلى الموظف يعني القدرة على دفع الإيجار، وتعليم الابناء، وتسديد الديون، وتوفير الغذاء والعلاج، والتخطيط للشهر المقبل. لذلك، فان عدم انتظام الرواتب لا يؤدي إلى ضيق اقتصادي فحسب، بل يخلق حالة من عدم اليقين المزمن. وحتى مع استمرار اجراءات صرف الرواتب، بقيت المشكلة حاضرة في الوعي العام بسبب تكرار التاخير والخلافات المالية بين اربيل وبغداد.
وفي الوقت نفسه، ما تزال الازمة السياسية وتاخر تشكيل الحكومة في اقليم كوردستان يضيفان طبقة أخرى من عدم اليقين. فمنذ انتخابات تشرين الاول 2024، استمرت الخلافات السياسية حول تشكيل الحكومة الجديدة حتى يومنا هذا، وتزامنت مع حملات اعلامية غير مسؤولة من جانب الحزبين الحاكمين في الاقليم. وقد اسهم هذا الجمود في زيادة حالة الترقب والقلق بشان مستقبل الاقليم وقدرته على التعامل مع أزماته المتراكمة، فضلا عن تداعيات استمرار التعطيل السياسي على ادارة شؤونه ومؤسساته.
ثم جاءت ازمات الحياة اليومية، بدءاً من ارتفاع أسعار الوقود، اذ وصل سعر لتر البنزين الى 2,750 دينار عراقي في محافظات الاقليم، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصولا الى التطورات الامنية الاقليمية وخروج القوات الامركية من العراق في نهاية أيلول، وما رافق ذلك من نقاشات ومخاوف بشان مستقبل الامن واحتمالات عودة نشاط الجماعات المسلحة. وحتى عندما لا تتحول هذه المخاوف الى تهديد مباشر، فانها تستطيع رفع مستوى القلق الجمعي لان الإنسان لا يتعامل نفسيا مع الحدث وحده، بل يتاثر أيضا باحتمالات وقوعه. ومع استمرار هذا الترقب، قد يبقى الانسان في حالة تاهب نفسي وجسدي، وقد يستمر تنشيط منظومة الاستجابة للضغط، بما فيها افراز هرمونات مثل الكورتيزول، الامر الذي قد يؤثر في النوم والمزاج والتركيز وبعض مشاكل الجسدية اذا طال امده.
واليوم، يدخل عامل اقتصادي جديد إلى المشهد. فقد اعلنت الحكومة العراقية، في 7 تشرين الأول 2026، تعديل سعر الصرف الرسمي للدينار إلى 1,520 دينارا مقابل الدولار، في ظل ضغوط اقتصادية مرتبطة بالحرب واضطراب صادرات النفط. ومن الطبيعي ان تثير هذه التطورات مخاوف اضافية لدى الاسر والتجار والموظفين، لان تغير سعر الصرف يرتبط بتكاليف الاستيراد والاسعار والقوة الشرائية. هنا يجب أن نطرح السؤال الذي يتجاوز شعار هذا اليوم، ونقول اين تقع الصحة النفسية للانسان في مجتمع يعيش كل يوم احتمال أزمة جديدة؟
حيث لا تكمن المشكلة في وجود الازمات وحدها، فالمجتمعات قادرة على تحمل الازمات والتعافي منها. وانما تظهر المشكلة عندما يفقد الانسان المساحة الزمنية والنفسية التي يحتاج اليها لاستعادة توازنه والتقاط انفاسه قبل ان تواجهه ازمة اخرى. عندها، قد يتحول القلق من استجابة مؤ قتة الى حالة مستمرة، وقد يصبح التفكير في المستقبل مصدراً للخوف بدلا من ان يكون وسيلة للتخطيط. كما قد يزداد التوتر داخل الاسرة، وتتراجع القدرة على التركيز والعمل، ويصبح الناس اكثر حساسية للاخبار والشائعات، واكثر استعدادا لتصديق اسوأ الاحتمالات.
وهنا يأتي دور الإعلام ايضا. فالاعلام لا ينقل الازمة فحسب، بل يستطيع ان يخفف اثارها او يضاعفها. فالتغطية التي تعتمد على التخويف والمبالغة ونشر الاخبار غير الموكدة قد تزيد من القلق الجمعي، بينما يحتاج المجتمع، في اوقات الازمات، الى اعلام يقدم المعلومات بوضوح ومسؤلية، ويفصل بين الخبر والتحليل والشائعة.
كما أن حماية الصحة النفسية لا يمكن ان تقع على عاتق الفرد وحده. فلا نستطيع ان نطلب من الانسان ان يكون اكثر صمودا بينما يعيش تحت ضغط اقتصادي وامني واجتماعي متواصل، ثم نحمله مسؤولية انهياره النفسي. فالصمود النفسي لا يعني ان نطلب من الانسان ان يتحمل المزيد، بل ان نوفر له بيئة تساعده على الاستمرار واستعادة توازنه. لذلك، فإن حماية الصحة النفسية في العراق وإقليم كوردستان يجب أن تصبح جزءا من الاستجابة للازمات، لا خدمة تستدعى بعد وقوع المشكلة. نحن بحاجة الى خدمات نفسية متاحة، ومدارس وجامعات اكثر اهتماما بالصحة النفسية، واعلام اكثر مسؤلية، ومؤسسات تدرك ان الاستقرار الاقتصادي والامني والاجتماعي يرتبط ارتباطا وثيقا باستقرار الانسان (المواطن) النفسي.
الصحة النفسية ليست شعارا يرفع في العاشر من تشرين الاول ثم ينسى في اليوم التالي، بل هي انعكاس مباشر للطريقة التي يعيش بها الانسان، ولمقدار الامن والامان الذي يشعر به، ولقدرته على النظر الى الغد دون ان يترقبه بالخوف. وفي مجتمع يتعرض لازمات متتالية، ربما لا يكون السؤال الاهم في هذا اليوم هل يعاني الناس نفسيا؟ بل الى متى نطلب من الانسان (المواطن) ان يبقى متماسكا، من دون ان نمنحه ما يحتاج إليه فعلا كي يشعر بالامان؟
واخيرا، على المستوى الشخصي، لا ينبغي أن تكون المطالبة بالمساعدة والدعم النفسي مدعاة للخجل أو سببا للوصمة الاجتماعية. فلا تتردد في طلب الاستشارة أو المساندة النفسية المتخصصة، فطلب المساعدة ليس انتقاصا من الكرامة ولا دليلا على الضعف، بل خطوة وقائية واعية تساعد على تخفيف الاعباء النفسية، واستعادة التوازن، والحد من تفاقم المشكلات قبل ان تصبح اكثر تعقيدا، بما يسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز الشعور بالطمأنينة.