سعر الديزل في أميركا يقفز لأعلى مستوى منذ أبريل


تتجه العلاقات السعودية – النمساوية إلى مرحلة جديدة تتجاوز التعاون السياسي والدبلوماسي إلى شراكات تجارية وبحثية ومشاريع رقمية قابلة للتنفيذ، مع تركيز متزايد على الذكاء الاصطناعي، والحكومة الرقمية، والبنية التحتية الرقمية الآمنة والسيادية، والبحوث التطبيقية، والتكنولوجيا الصناعية.

وقال وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة، ألكسندر برول، لـ«الشرق الأوسط»، إن بلاده تسعى «بكل جدية» إلى تحويل العلاقات السياسية مع السعودية شراكاتٍ تجارية وبحثية ملموسة، مؤكداً أن اللقاءات المباشرة مع المسؤولين السعوديين تتيح تحديد نقاط الالتقاء بين أجندتي البلدين الرقميتين، والانتقال منها إلى مجالات تعاون عملية.

وأضاف برول الذي يزور الرياض مشاركاً في مؤتمر «ليب 2026»: «إننا ساعون ألا تبقى العلاقات التي بُنيت هذا الأسبوع مجرّد نوايا حسنة، بل أن تتحوّل مشاريع حقيقية – في البحث العلمي، والبنية التحتية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي – خلال الأشهر المقبلة».

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول خلال جلسة حوارية في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

العلاقات السعودية – النمساوية

ووصف برول العلاقات بين السعودية والنمسا بأنها «ودية راسخة»، مشيراً إلى أنه يلمس زخماً متزايداً، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا الرقمية.

وأوضح أن البلدين ينفذان برامج طموحة للتحول الرقمي تقودها الحكومات؛ إذ تمثل «رؤية 2030» الإطار السعودي للتحول الاقتصادي والتكنولوجي، في حين تركز النمسا على تعزيز السيادة الرقمية وتطوير قدراتها في الذكاء الاصطناعي والخدمات الحكومية الرقمية.

وأشار إلى عدد من التجارب النمساوية في هذا المجال، من بينها مبادرات الذكاء الاصطناعي العامة، ونظام «GovGPT» المخصص للإدارة الفيدرالية، ونظام الهوية الرقمية النمساوي «ID Austria».

وقال إن هذه التجارب تمنح الرياض وفيينا «لغة مشتركة حقيقية»؛ لأن البلدين لا ينظران إلى التحول الرقمي بوصفه قضية تقنية فحسب، وإنما بصفته مرتبطاً بالقدرة والمرونة والسيادة الوطنية.

وتبرِز طبيعة الوفد النمساوي الموجود في الرياض حجم الرهان على توسيع التعاون. فالوفد بضم مؤسسات بحثية وطنية، وهيئات تنظيم البنية التحتية والاتصالات، إلى جانب شركات تعمل في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والهندسة وتكنولوجيا الاتصالات.

ويرى برول أن هذا الحضور «دليل على مدى جدية» النمسا في بناء شراكة أعمق مع السعودية، وليس مجرد مشاركة بروتوكولية في مؤتمر تقني.

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

«ليب» منصة للانتقال من الحوار إلى المشاريع

ويضع الوزير النمساوي مشاركة بلاده في «ليب» في سياق أوسع من الحضور في أحد أكبر المؤتمرات التقنية، عادَّاً أن الحدث يوفر منصة نادرة لجمع الحكومات والباحثين والشركات الصناعية والتكنولوجية من مختلف أنحاء العالم في مكان واحد.

وقال إن بلاده تهدف من خلال المشاركة إلى عرض تجربتها في السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي المسؤول، بما في ذلك ما أنجزته في «GovGPT» ومبادرات الذكاء الاصطناعي العامة، إلى جانب نهجها الأوروبي في تطوير البنية التحتية الرقمية.

وفي المقابل، قال إن النمسا تريد الاستفادة من تجربة السعودية في تنفيذ مشاريع التحول الرقمي «بوتيرة ونطاق قلّما تجدهما في أي دولة أخرى».

ويحمل الوفد النمساوي، حسب برول، هدفاً عملياً يتمثل في فتح قنوات مباشرة مع نظرائهم السعوديين في الحكومة والقطاع الخاص، وتحويل العلاقات السياسية مشاريع تجارية وبحثية واستثمارية.

الذكاء الاصطناعي… نقطة الالتقاء الأكبر

كما يضع برول الذكاء الاصطناعي في مقدمة المجالات التي يرى فيها أكبر إمكانات التعاون الفوري بين السعودية والنمسا، إلى جانب الحكومة الرقمية.

وأوضح أن النمسا طوَّرت منصة «GovGPT» بهدف جعل الإدارة العامة أكثر كفاءة وسهولة في الوصول، في حين استثمرت السعودية بكثافة في رقمنة الخدمات الحكومية على نطاق واسع.

ويرى أن التجربتين تتيحان مجالاً واسعاً لتبادل الخبرات، خصوصاً في تنفيذ الحلول الرقمية، ورفع معدلات تبني المستخدمين، وتقييم ما ينجح فعلياً عند الانتقال من التجربة إلى التطبيق واسع النطاق.

ولا يقتصر مجال التعاون، وفق الوزير، على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى البنية التحتية التي تحتاج إليها هذه التقنيات.

الحوسبة السيادية والبنية التحتية للبيانات

وقال برول إن النمسا تستثمر بصورة كبيرة في توسيع قدراتها الحاسوبية السيادية، في وقت تبني فيه السعودية بعضاً من أكثر مشاريع البنية التحتية الرقمية طموحاً في العالم.

ويعتقد أن هذه المساحة يمكن أن تشكل مجالاً مهماً للتعاون، خصوصاً من خلال الاستفادة من الخبرة النمساوية في الهندسة والبنية التحتية الآمنة والموفرة للطاقة، وربطها بالتوسع السعودي في مراكز البيانات والحوسبة والبنية الرقمية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع تسارع الطلب على قدرات الحوسبة اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وما يصاحبه من حاجة إلى بنية تحتية موثوقة وآمنة وقادرة على استيعاب النمو المستقبلي.

حوكمة الذكاء الاصطناعي شرط للثقة

ولا يفصل برول بين التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وبين بناء منظومة دولية لحوكمته.

وقال إنه يدافع بقوة عن مفهوم الذكاء الاصطناعي المسؤول والجدير بالثقة، بما في ذلك في إطار الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في الأمم المتحدة، مؤكداً ضرورة وجود إطار دولي ملزم لتنظيم هذا المجال.

ويرى أن وضع قواعد واضحة لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه عائقاً أمام الابتكار، بل بوصفه شرطاً لبناء الثقة اللازمة لتبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع من جانب المواطنين والشركات.

وأعرب عن رغبته في أن تشارك السعودية والنمسا في هذا الحوار، بالتوازي مع تطوير التعاون في أبحاث الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك عبر مؤسسات البحث والتطوير النمساوية.

وزير الدولة النمساوي في المستشارية الاتحادية للشؤون الرقمية والدستور والخدمة العامة ألكسندر برول خلال جلسة حوارية في «ليب 2026» (الشرق الأوسط)

فرص للشركات والاستثمارات المشتركة

ويرى الوزير النمساوي أن الفرص أمام الشركات السعودية والنمساوية لا تقتصر على تبادل الخبرات، وإنما تمتد إلى البحث والتطوير المشترك والمشاريع والاستثمارات المباشرة.

وأوضح أن المؤسسات المرافقة للوفد تمثل مجموعة واسعة من القدرات، بدءاً من البحوث التطبيقية في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للبيانات، مروراً بالبنية التحتية العامة والتنظيم، وصولاً إلى الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والهندسة.

وأشار إلى أن المؤسسات البحثية النمساوية يمكن أن تشكل شريكاً للجامعات ومراكز الأبحاث السعودية في مجالات الذكاء الاصطناعي التطبيقي والبحوث التقنية، في حين تمتلك المؤسسات المتخصصة في البنية التحتية خبرات يمكن توظيفها في المشاريع المرتبطة بمراكز البيانات والمنشآت الرقمية.

كما يمكن للتعاون التنظيمي أن يتوسع ليشمل ملفات مثل الطيف الترددي وحوكمة المنصات، وهي ملفات تزداد أهميتها مع نمو الاقتصاد الرقمي في البلدين.

وفي القطاع الصناعي، لفت برول إلى وجود شركات نمساوية ذات خبرة في الهندسة، وأنظمة النقل والحركة والمحاكاة، وهي مجالات تتقاطع مع طموحات السعودية في التنويع الصناعي والتصنيع المتقدم والتنقل المستقبلي.

ما بعد الذكاء الاصطناعي: الكم والأمن السيبراني

ولا يرى برول أن التعاون التكنولوجي بين البلدين يجب أن يتوقف عند الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى إمكانات كبيرة في تقنيات الكم والاتصالات الكمومية.

وقال إن النمسا تمتلك قاعدة بحثية قوية في الحوسبة الكمومية والاتصالات الكمومية، عادَّاً أن التعاون المبكر في هذا المجال يمكن أن يسهم في تشكيل ملامح التنافسية التكنولوجية خلال العقد المقبل.

ويبرز الأمن السيبراني كذلك بصفته أحد المجالات ذات الأولوية، في ظل اتساع الاعتماد على البنية الرقمية. وقال برول إن حماية البنية التحتية الرقمية أصبحت بأهمية بنائها نفسها؛ ما يجعل التعاون التقني والتنظيمي بين البلدين أكثر أهمية.

كما أشار إلى فرص التعاون في تكنولوجيا النقل والهندسة، حيث تمتلك الشركات النمساوية خبرات في تطوير أنظمة توليد الطاقة ومحاكاتها واختبارها، وهي تقنيات يرى أنها تتقاطع مع خطط السعودية لتطوير التصنيع المتقدم وقطاع النقل.

من «ليب» إلى إطار عمل مستدام

ويرى برول أن الخطوة الأهم بعد زيارة الرياض تتمثل في ضمان عدم توقف الزخم عند انتهاء المؤتمر. وقال: «أملي أن تكون هذه الزيارة بداية لمشاريع تجريبية ملموسة، وشراكات تجارية، واستثمارات مباشرة متبادلة حيثما كان ذلك مناسباً».

وأضاف أن الشركات النمساوية يمكن أن تكون «شركاء موثوقين وذوي كفاءة عالية» في تحقيق الطموحات التكنولوجية لـ«رؤية 2030»، معرباً عن أمله في أن يرى الشركاء السعوديون الإمكانات نفسها.

ويحدّد الوزير المرحلة التالية في حوار منظم ومستمر، وتواصل منتظم بين الوزارات والهيئات، ووضع إطار واضح للتعاون تستطيع الشركات والمؤسسات البناء عليه.

وفي خطوة تعكس رغبته في إبقاء المسار مفتوحاً، رحّب برول بزيارة وفد سعودي إلى النمسا؛ للاطلاع مباشرة على التجارب والمشاريع التي طوَّرتها بلاده، ومواصلة الحوار على أرض الواقع.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *