هادي جلو مرعي
أبناء الله يعودون إليه، وأبناء الأمكنة كل يحن الى مكانه ليعود يوما إليه، وبعضهم يحن الى مكانه وهو فيه كذاك الذي يعيش الخوف أن يجبره شيء ما على مغادرة بغداد فيتجول في شوارعها بعد منتصف الليل، حتى تلك الشوارع المتهالكة الفقيرة بالأشجار والجمال ليتعلق بها أكثر متوهما إن التجوال هو إلتصاق بالمكان لايسمح لقوة أن تقتلعه منه، وفي النهار ينظر الى الشمس، وهي ترسل اللهيب، ويوقع لها على بياض ( إنك مهما تماديت في اللهيب فلايمكنك إرغامي على الهروب، وبمجرد أن أحتمي بشجرة كالبتوس أهدتها ملكة أستراليا الى فيصل الأول فتكاثرت وإنتشرت في كل العراق، أو أن ألجأ الى ظل شجرة السدر العتيقة لاأعود أخشى الحر ) وعندما يصيبه الغرور، ويشرب شاي الظهيرة الساخن، ويقول ساخرا: ساخن على ساخن يبرد الجو.
بغداد ليست أجمل المدن، ولأأكثرها خضرة، ولاأرحبها بالبشر، فهناك مدن كثيرة حول العالم تحفل بأصناف الناس، وأنواع الحيوان والنبات، وتستهوي الزوار والمقيمين حين تمنحهم طمأنينة، أو عملا، أو رفقة، وكل مدينة لها خصائصها اللصيقة بها، وتتفوق بها على سواها من مدن، ولو ولد إنسان في بكين، أو لندن، أو مونتريال، أو كيبك، أو روما، أو واشنطن، أو طهران، أو الرياض، أو القاهرة، أو عمان، او نواكشوط فهو سيتعلق بمدينته، وقد يجبره شيء ما على مغادرتها مؤقتا، أو الى الأبد، لكنه حين يولد في مدينة منها، وينمو ويكبر ويتعلم ويحفظ صور الناس والأشجار والشوارع والأنهار، وينظر الى الغيوم، ويتأمل القمر، ويظنه قمرا خاصا بمدينته، وحتى الشمس يراها كذلك، فيستمر في العشق، ولاينقطع.
هو يحب بغداد، ولايغادرها إلا لسفر، ويتمسك بها، ويتأملها، وهو يعلم أنها ليست أجمل المدن، ولاأغناها، ولكنه تعودها، وعاش فيها مايكفي لتكون روحا تسكنه، هي ليست أجمل المدن، لكنها في ذاكرته أجملها على الإطلاق..