السندات الصينية تنتعش والأسهم تهبط تحت ضغوط التكنولوجيا

شهدت الأسواق المالية الصينية تحركات متباينة، الخميس، مع تراجع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل إلى أدنى مستوياتها في 15 شهراً، مدفوعة باستمرار ضخ السيولة من البنك المركزي، بينما تعرَّضت الأسهم لخسائر حادة بقيادة شركات التكنولوجيا، عقب بيانات تضخم أميركية أعادت المخاوف بشأن ارتفاع أسعار الفائدة. وفي المقابل، سجَّل اليوان مكاسب طفيفة أمام الدولار، مستفيداً من قوة الصادرات الصينية وتراجع العملة الأميركية.

ويعكس هذا التباين تحولاً في توجهات المستثمرين، الذين زادوا إقبالهم على أدوات الدين الأقل مخاطرة، بالتزامن مع تقليص انكشافهم على الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وسط ترقب مؤشرات جديدة بشأن السياسة النقدية الصينية وآفاق النمو الاقتصادي.

وانخفض عائد السندات الحكومية الصينية لأجل 10 سنوات إلى 1.64 في المائة، وهو أدنى مستوى منذ يوليو (تموز) 2025، بينما تراجع عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 2.05 في المائة، مع ارتفاع أسعار السندات نتيجة زيادة الطلب عليها.

وجاء هذا التَّحسُّن مدعوماً بوفرة السيولة في سوق التعاملات بين البنوك، حيث استقرَّ متوسط سعر إعادة الشراء لليلة واحدة قرب 1.25 في المائة، وهو مستوى يقترب من أدنى قراءة خلال 5 أشهر.

وواصل «بنك الشعب الصيني» ضخ السيولة عبر عمليات إعادة الشراء العكسي لأجل 7 أيام، رغم عدم وجود عمليات مماثلة مستحقة السداد منذ الثلاثاء.

كما ضخ البنك المركزي سيولة صافية بلغت 400 مليار يوان، تعادل نحو 59.77 مليار دولار، خلال أكتوبر (تشرين الأول)، عبر عمليات إعادة شراء عكسي مباشرة بآجال 3 و6 أشهر.

وساعدت هذه الإجراءات على خفض تكاليف التمويل وتعزيز الطلب على السندات، في وقت بدأت فيه الأسواق تسعير احتمالات اتخاذ خطوات إضافية لتيسير السياسة النقدية.

ويرى محللو «إندستريال سيكيوريتيز» أن المستثمرين يترقبون «منتدى الشارع المالي»، المقرر عقده في بكين بين 19 و22 أكتوبر، بحثاً عن إشارات بشأن التوجُّه المقبل للبنك المركزي.

وتتباين التوقعات بين احتمال خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك وأسعار الفائدة، وبين سيناريو آخر يقوم على تغيير السعر المرجعي للسياسة النقدية إلى سعر إعادة الشراء العكسي لليلة واحدة، بما قد يمثل خفضاً فعلياً لتكلفة التمويل.

ويبلغ سعر إعادة الشراء العكسي لأجل 7 أيام، الذي يمثل حالياً السعر الرئيسي للسياسة النقدية، 1.4 في المائة.

ويكتسب المنتدى أهميةً خاصةً بعدما استخدمه محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغ شنغ، في مناسبات سابقة للإعلان عن تغييرات في الإطار النقدي. وكان البنك قد أعلن خلال نسخة 2025 استئناف تداول السندات الحكومية في السوق المفتوحة.

وفي سوق الأسهم، جاءت الصورة معاكسة تماماً، إذ تراجع مؤشرا «شنغهاي المركب»، و«سي إس آي 300» للأسهم القيادية بنسبة 2 في المائة لكل منهما بحلول استراحة منتصف الجلسة.

وتكبدت أسهم التكنولوجيا خسائر أكبر، مع انخفاض مؤشر «ستار 50» بنسبة 3 في المائة، وتراجع مؤشر «تشاينكست» للشركات الناشئة بنسبة 3.4 في المائة.

وامتدت الضغوط إلى هونغ كونغ، حيث انخفض مؤشر «هانغ سنغ» بنسبة 1.5 في المائة، بينما خسرت أسهم التكنولوجيا 2.9 في المائة، وهبط سهم «علي بابا» بنسبة 4.8 في المائة.

وقال لي منغ، استراتيجي الأسهم الصينية لدى «يو بي إس سيكيوريتيز»، إن التراجع الأخير يعكس بدرجة كبيرة تفكيك مراكز استثمارية مزدحمة في أسهم التكنولوجيا، إلى جانب ضغوط الاسترداد التي تواجهها بعض صناديق الاستثمار.

وأضاف أن التطورات الجيوسياسية وتقلبات أسعار النفط وعوائد السندات الأميركية أسهمت في تشديد أوضاع السيولة الدولارية، نتيجة تأثيرها في توقعات التضخم، ما أضعف شهية المستثمرين للمخاطرة.

وكانت بيانات أسعار المستهلكين الأميركية قد أظهرت ارتفاع التضخم بأكثر من المتوقع، ما أعاد مؤقتاً المخاوف من اضطرار «الاحتياطي الفيدرالي» إلى رفع أسعار الفائدة.

وأشار محللو «كومرتس بنك» إلى أن القراءة المرتفعة للتضخم الأميركي كانت العامل الرئيسي وراء عودة المخاوف المتعلقة بتشديد السياسة النقدية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية بالنسبة إلى أسهم التكنولوجيا الصينية، التي تتأثر بتغير توقعات الفائدة العالمية وتقييمات الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وفي سوق العملات، ارتفع اليوان الصيني بنسبة 0.09 في المائة إلى 6.6918 للدولار بحلول الساعة 03:07 بتوقيت غرينتش، بينما جرى تداول اليوان في الأسواق الخارجية عند 6.6921 للدولار.

وجاء ارتفاع العملة الصينية بعدما تراجع الدولار من أعلى مستوياته خلال 18 شهراً، عقب تصريحات لمسؤولين في «الاحتياطي الفيدرالي» قللت من احتمالات رفع الفائدة خلال أكتوبر، رغم قوة بيانات التضخم.

وكان «بنك الشعب الصيني» قد حدَّد السعر المرجعي اليومي عند 6.7253 يوان للدولار، مقارنة بتقديرات «رويترز» البالغة 6.6977 يوان.

ووفقاً لحسابات «رويترز» المستندة إلى البيانات الرسمية، ارتفعت القيمة المرجحة لليوان أمام عملات الشركاء التجاريِين الرئيسيِّين إلى 103.73 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من 4 سنوات.

وحقَّق اليوان مكاسب بنحو 5.9 في المائة أمام سلة عملات شركاء الصين التجاريِّين منذ بداية العام، مقارنة بارتفاع قدره 4.5 في المائة أمام الدولار.

ويتوقع محللو «بانثيون ماكروإيكونوميكس» استمرار الارتفاع التدريجي للعملة الصينية خلال ما تبقَّى من 2026 وحتى عام 2027، مع احتمال حدوث تقلبات محدودة للحدِّ من تدفقات المضاربة.

ويرى المحللون أن قوة الصادرات، خصوصاً في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، تمنح صنَّاع السياسة النقدية ثقة أكبر في قدرة الاقتصاد على استيعاب ارتفاع معتدل للعملة.

وتدعم هذه التوقعات سلسلة من البيانات الاقتصادية الإيجابية، شملت التجارة الخارجية ونمو الائتمان، ما يعزِّز الاعتقاد بأن الاقتصاد الصيني يمتلك هامشاً يسمح بالاكتفاء بإجراءات تيسير نقدي تدريجية.

وقالت ميشيل لام، الاقتصادية المختصة بالصين الكبرى لدى «سوسيتيه جنرال»، إن الصين لن تواجه صعوبة كبيرة في تحقيق مستهدف النمو السنوي البالغ بين 4.5 و5 في المائة.

وأوضحت أن الوصول إلى الحدِّ الأدنى من المستهدف يتطلب نمواً بنسبة 4.3 في المائة فقط خلال النصف الثاني من العام، ما يرجح استمرار السلطات في تطبيق إجراءات دعم محدودة بدلاً من إطلاق حزم تحفيز واسعة.

وتترقب الأسواق صدور بيانات الناتج المحلي الإجمالي للرُّبع الثالث، الاثنين المقبل، للحصول على صورة أوضح بشأن قوة التعافي الاقتصادي، خصوصاً في ظلِّ التباين بين متانة الصادرات وضعف بعض مكونات الطلب المحلي.

كما حذَّر صندوق النقد الدولي، الخميس، من تباطؤ النمو الاقتصادي الآسيوي خلال العام المقبل، مشيراً إلى مخاطر صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب مع إيران، واحتمال تصحيح طفرة الذكاء الاصطناعي، وانتقال آثار ارتفاع عوائد السندات العالمية إلى اقتصادات المنطقة.

وتكشف تعاملات الخميس عن معادلة دقيقة تواجه الأسواق الصينية؛ فوفرة السيولة تدعم السندات وتخفض تكاليف الاقتراض، لكنها لا تكفي وحدها لحماية الأسهم من تقلبات الأسواق العالمية والمخاوف المرتبطة بتقييمات التكنولوجيا.

وفي المقابل، يستفيد اليوان من قوة القطاع التصديري وتراجع الدولار، ما يمنح السلطات النقدية قدراً من المرونة في إدارة السياسة النقدية.

وستكون بيانات النمو المرتقبة وإعلانات «منتدى الشارع المالي» حاسمةً في تحديد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة، خصوصاً ما إذا كان «بنك الشعب الصيني» سيتجه إلى خفض رسمي للفائدة أو سيواصل الاعتماد على ضخ السيولة وإجراءات التيسير التدريجية.

وبينما تعكس مكاسب السندات توقعات باستمرار السياسة النقدية الداعمة، تشير خسائر الأسهم إلى أن المستثمرين لا يزالون حذرين تجاه المخاطر العالمية، في انتظار مؤشرات أكثر وضوحاً على استدامة التعافي الاقتصادي الصيني.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *