عشت بينكم، ولم أكن أطلب المستحيل. لم أمُدّ يدي إلى ما ليس لي. كل ما فعلتُه أني آمنت بأن الوطن لا يكتَمل إلا إذا وقفت ابنته إلى جانب ابنه، وأن السياسةَ وجعٌ مشترك لا يحتمل أن يُترك نصفُه في الظّل. دخلت غمار التجربة السياسية وأنا أحمل شهائدي العلمية وتجاربي المهنية التي عبرت بها القارات، وأحمل معها قلب امرأة تعرف معنى الصبر، وعقل باحثة تعرف معنى الحقيقة. فإذا بي أدفع الثمن مضاعفاً، باهضاً، ومُراًّ: مرة لأني فكّرت في ما لا يجب، ومرة لأني قلته بصوت وصورة امرأة حقيقية.
قليل حين أقول بأنني ذقت الأمرين. في البداية كانت قسوة المواجهة مع واقع يرفض أن يرى في المرأة عقلاً مفكراً، بل يراها صدى أو ظلاً. ثم بعد ذلك كان خنجر الانغلاق المغلف بانفتاح كاذب زائف. مجتمع يرفع شعارات الحرية في المنابر، ثم يمارس في الخفاء أخطر أنواع الانغلاق: انغلاق الروح، وانغلاق الضمير، ومرض نفسي مزمن اسمه الخوف من المرأة التي لا تنكسر.
عاقبوني لأني فكرت حيث لم يفكروا، ونجحت حيث فشلوا. لأن كلمتي وصلت حيث عجزت خطبهم العقيمة. ولأنني لم أكن صاخبة بلا معنى، ولا فظة أصرخ لأُسمع. لم أحمل لساناً منكرا سليطاً لأجرح، ولا طموحاً أعمى لأسرق مكان أحد. لم أكن نسخة مقشورة عن الغرب أبيع فيها أَصْلي، ولا تاجرة وطن تقايض كرامتها بكرسي. لم أكن طامعة في مال، فالعلم الذي أحمله كافٍ لي، والرزق الحلال الذي منّ الله به عليّ يغنيني عن المزايدات الرخيصة.
ما أملكه هو هدوء لا يهتز، وحكمة تعلمتُها من الكتب والتجربة، وكلمة رصينة تزنها قبل أن تخرج. أملك روح السياسة كما يملك الفنان ابداعه: أرى المشهد كاملاً، وأرسم المستقبل قبل أن يولد، وأحب وطني حباً لا يشبه حب الطامعين الجائعين للكراسي. حبي له ليس صراخاً في الساحات، بل سهراً على دفاتره، ومواقف أقولها وأكتبها، ودمعة أكتمها حتى لا يراني التاريخ ضعيفة.
كم هو موجع أن تحاربي وحدك من أجل قيم يفترض أنها ملك الجميع. قيم الحرية، والكرامة، والعدل، والمساواة، والذاكرة التي لا تُشترى. أنا لا أقاتل لأجل لقب. أقاتل لأجل أمي التي لم تُمنح الفرصة، ولأجل ابنتي التي أريدها أن تعيش في وطن لا يسألها أول ما يسألها: لماذا أنتِ امرأة ولماذا انت في هذا المقام القيم؟
أكتب اليوم وقلبي مثقل، لا بالهزيمة، بل بثقل الوحدة. وحدة الدكتورة التي تعلمت في الجامعات كيف تُبنى الأوطان، فوجدت نفسها في الشارع تُتهم بأنها موجودة، تتهم بانها تهدم الوطن لمجرد أنها فكرت. وحدة العربية المثقفة التي اختارت أن تكون صوتاً في زمن الصدى، لا ضجيجاً في زمن الضجيج.
لا أطلب شفقة. الشفقة تُذل ولا تُكرم. كل ما أطلبه هو أن تنظروا إلى ما بذلته بعين الإنصاف، أن تنظروا إلى السهر، إلى الخوف الذي كتمتُه حين تقدمتُ حيث تأخر أغلب الرجال، إلى الدموع التي مسحتُها وراء قضبان قاعة الايقافات، أن تعقلوا ذلك المشهد المزري الذي رآه الجلاد قبل أن تراني كاميرا المصور والقنوات، إلى امرأتكم التي وقفت بمفردها ثابتة في وجه ثقافة كاملة، ثقافة تسعى لإعادة صورة امرأة إلى الظل، أن تسحبها إلى الظلام، لا لأنها كائن ضعيف، بل لأنها امرأة ترفض أن تكون إلا كما خلقها الله: حرة، عاقلة، أصيلة، وطنية.
سيأتي يوم تفهمون فيه أن معركتي لم تكن معركتي وحدي وأن مظهري لم يك اغراء بل كان تغريدا على جرج ينزف ويصرخ ركزوا في المعنى وسيطروا على ارادتكم بدل ان تبقوا مسلوبي الفكر والذوق والعقل والارادة. كانت معركتي معركتكم ومعركة كل أم تريد لابنتها مستقبلاً أوسع من جدران البيت و”تقميطة” “الولدان”، وهي معركة كل رجل شريف منفتح يريد وطناً كاملاً لا ناقصاً، يريد وطنا مزدهرا مختلفا ألوانه لا أسود حالكا متخلّفا. وحين يأتي ذلك اليوم، ستدركون أن احترامكم لي لم يكن تفضلاً منكم، بل إنصافاً لأنفسكم.
فإلى ذلك الحين، سأظل هنا، أُوجَد وأكتب. سأظل أقف. سأظل أذكّركم بأن الأوطان لا تنهض إلا على أكتاف من تجرؤوا على الحلم، حتى لو كان حلمهم ممنوعاً.
د. ليلى الهمامي