شخابيط شويب (7) تجربتي – وكالة اخبار المستقبل


بقلم المهندس رسول العذاري

من أهم المحطات في تجربتي الحياتية شروعي بتأليف كتاب عن الزمن والوجود. بدأت الفكرة بأسئلة وجودية طالما راودت معظم الناس، سواء جهروا بها أم احتفظوا بها لأنفسهم: ماذا كان قبل الوجود؟ من خلق الله؟ وإذا كان قد خلق ذاته، فما الذي كان قبل ذلك؟أسئلة صاحبتني منذ الصغر، وظلت تدور في ذهني سنوات طويلة. لكن في أحد الأيام، وبينما كنت أقرأ عن النسبية عند أينشتاين، بدأت أنظر إلى هذه الأسئلة من زاوية مختلفة تماماً.

أدركت أن جميعها مبني على تصور معين للزمن؛ تصور يفترض وجود “قبل” و”بعد” بشكل مطلق. غير أن النسبية هزّت هذا التصور بقوة.فلو افترضنا وجود ثلاث مجرات متباعدة جداً عن بعضها، فإن ما يُعدّ حاضراً في إحداها قد يكون ماضياً أو مستقبلاً في الأخرى بحسب موقع المراقب وحركته. عندها بدأ يتزعزع في ذهني مفهوم السهم الزمني التقليدي، وبدأت أتساءل: ماذا لو كانت أسئلتنا الوجودية نفسها مبنية على فهم ناقص للزمن؟من هنا بدأت الرحلة.قررت أن أبحث في الزمن من جميع جوانبه: كيف فهمته الحضارات القديمة؟ وكيف نظر إليه الفلاسفة؟ وماذا تقول الفيزياء الكلاسيكية عنه؟ وكيف غيّرته النسبية وميكانيكا الكم؟ وحتى الأديان، كيف تناولت مفهوم الزمن وعلاقته بالوجود؟ومع التعمق في البحث انتقلت إلى عالم الوجود نفسه.

هناك وجدت نفسي أمام بحر لا شاطئ له من الأفكار والأسئلة. كنت أشعر بمتعة حقيقية كلما غصت أكثر في الفلسفة الوجودية والتفسيرات الفيزيائية لطبيعة الكون والحياة.ثم قادني الطريق إلى موضوع الإدراك والوعي، والعلاقة الغامضة بينهما وبين الوجود. هل الوجود مستقل عن الإدراك؟ أم أن وعينا جزء أساسي من الصورة؟ أسئلة فتحت أمامي أبواباً جديدة لم أكن أتوقعها.بعد ذلك وجدت نفسي أمام عالم الذكاء الاصطناعي.

بدأت أتساءل: ماذا لو وصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة يستطيع فيها برمجة نفسه بنفسه دون الحاجة إلى الإنسان؟ قرأت آراء متشائمة تتحدث عن نهاية عصر الإنسان وهيمنة الآلة، وقرأت في المقابل آراء متفائلة ترى أن الذكاء الاصطناعي قد يساعدنا على حل كثير من الألغاز التي استعصت علينا عبر التاريخ.ومن الذكاء الاصطناعي انتقلت إلى عالم المنطق، فتعرفت أكثر على تطوره من المنطق الثنائي القائم على الصواب والخطأ إلى المنطق الضبابي والاحتمالي، حيث تصبح الحقيقة نفسها درجات واحتمالات وليست دائماً أحكاماً قطعية.

كل هذه الرحلة الفكرية تركت أثرها العميق في شخصيتي. أصبحت أكثر هدوءاً مما كنت عليه، ولم تعد تستهويني أمور كثيرة كانت تشغلني سابقاً. صرت أميل إلى التصالح مع نفسي بقدر الإمكان، وأحرص على عدم إيذاء الآخرين أو الاعتداء عليهم بأي شكل من الأشكال.

كما أصبحت كثير من الآيات القرآنية والمقولات الفلسفية تستوقفني وتدفعني للتأمل والبحث عن معانٍ جديدة لها في ضوء ما قرأته وكتبته.

لقد أعدت كتابة هذا الكتاب أكثر من عشر مرات، وفي كل مرة كنت أكتشف أنني ما زلت في بداية الطريق.أما اليوم، فأجد نفسي متوقفاً طويلاً عند قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. آية قرأتها مرات لا تُحصى طوال حياتي، لكنها لم تعد تعني لي اليوم ما كانت تعنيه بالأمس. أشعر أن خلف هذه الكلمات آفاقاً واسعة من التأمل في الوجود والوعي وطبيعة الكون، وما زلت أحاول أن أفهمها على ضوء ما تعلمته خلال هذه الرحلة الطويلة.وللحديث بقية…







Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *