كتبت د ليلي الهمامي
لماذا لا نتدارك التراجع والتقهقر التاريخي الذي عشناه كعرب؟
سؤال رغم بساطته الظاهرة، شديد التشعب. سؤال يتعلق بفلسفة التاريخ، بالعلاقة بين الحضارات. سؤال يقود إلى مباحث أنثروبولوجية شديدة التعقيد.
لكن، هنالك ملاحظة أعتقد أنها منهجية ويمكن أن تجيب ولو جزئيا على هذه الإشكالية، وهي غياب المراكمة. قد يتساءل متابع فيقول كيف؟ بالفعل، نحن لا نراكم التجارب، لأننا ننطلق من فكرة عدمية: فكرة نسف كل من سبقنا تاريخيا !
أتحدث بالطبع عن “السياسي”، لكن الأمر لا يُختَزلُ الى المستوى السياسي وحده… هذه عقلية أكاد أقول بأنها منهجية ملازمة لثقافة العربي، ولمسلكية العربي: “كل من سبقنا مخطئ ومذنب بالضرورة، أو في أحسن الحالات، كل من سبقنا كانت له نوايا إيجابية وصادقة، لكنه لم يصادف المنهاج النموذجي”.
من ذلك أننا ننكر، في مصر مثلا، فضل المرحلة المَـلَكية في تشكيل نواة ديمقراطية وحياة برلمانية وكتل وحكومات تتشكل وحكومات تسقط وديناميكية أحزاب… في ذات السياق ننكر أيضا، ما قدمه جمال عبد الناصر في مصر أيضا في علاقة بالتعليم وفي علاقة بدمقرطة التعليم، وإلحاق الشرائح المهمشة بالمصعد الاجتماعي وهي المدرسة.
نحن ننكر لا محالة، في كل الحالات، ما قدمه الحبيب بو رقيبة في تونس للمرأة وللتعليم. ننكر أيضا ما قدمه زين العابدين بن علي في تونس للإقتصاد وللبيئة. ننكر ما قدّمه الملك الحسن الثاني للمغرب من استقرار. الهواري بو مدين مكّن الجزائر من أن تستمر كدولة، بإيجيولوجيا إشتراكوية، لكنه لا محالة، ضَمِن للجزائر منزلة هامة. معمّر القذافي مكّن ليبيا أيضا من حالة من الإستقرار، مع الأخطاء، مع المغامرات، حيث الليبي كان في بحبحه من العيش، مترفّه مقارنة بجيرانه..
ليس في هذا أي تلميع لصورة الأنظمة التي ولّت ولا حنين لها، وليس في هذا تأكيد على أنه لم يكن في الإمكان أفضل مما كان، بل إن النقائص لم تكن قليلة ولا هامشية، بل كانت نقائص مركزية. لكن، لن نتقدم ما دمنا نشيطن كل من سبقنا.
ضروري أن نتعاطى مع تاريخنا بعيدا عن الإسفاف، بعيدا عن التحامل. ضروري أن نتعاطى مع تاريخنا بعيدا عن التبخيس… دون ذلك، سنبقى في وضع من الدوران، في حلقة مفرغة وهذا خطير جدا.